درجاتك في المدرسة لا تحدد مجرى حياتك إلى الأبد
اعتدت التقدم الدراسي، كنت دائمًا ما أحصد أعلى الدرجات والنتائج والمراتب، ليس على صعيد مدرستي وحدها؛ بل وصل الأمر إلى حصولي على مراتب متقدمة على مستوى مدارس منطقة جدة بكاملها.
أنهيت سنوات الدراسة الاثنتي عشرة بتقدم يفخر به، وتفوق قلما له نظير في محيط عائلتي، ولطالما وُسِمت بالطالبة المتفوقة، وأحيانًا أخرى يقترن التفوق بالمثالية، والتي تعني على وجه التحديد الالتزام التام بالقوانين المفروضة حتى على صعيد الشكل والهيئة، متملصة من كل ما يعبر عني إلى كل ما يضعني في قالب المثالية المفروضة علينا منهم..
ثم ماذا بعد؟ تخرجت من المرحلة الجامعية بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ليس هذا فحسب، بل كنت من الخمس الأوائل على دفعتي، والتي تجاوزت مئات الطالبات حول المملكة..
ولكن، وعلى الرغم من كل زخم التفوق المزعوم هذا، إلا أني كنت أجهلني تمامًا، لم أكن أعرف طوال سنوات الدراسة تلك عن كوني كاتبة جيدة، فضلًا عن أن الكتابة ستكون مصدر دخلي، لم أكن أعلم عن نسبة الذكاء الاجتماعي المرتفعة لدي، ولا عن الذكاء العاطفي الذي هو بحاجة ماسة إلى إعادة ضبط مصنعي، ولا عن ذكائي المالي وهو في طريقه إلى الهاوية إن لم أتداركه!
لم أبصر يومًا ما أجيد فعله بحق، ما أرغب في عمله، وما أستمتع به، لا نقاط قوتي ولا ضعفي، لا رسالتي ولا أهدافي..
لطالما ظننت أن النجاح هو أن تتقن الانصباب في القوالب المفروضة عليك، وكلما صرت مثالي الحجم فيها؛ زادت فرص تألقك في أعينهم، بالتالي حصدت تقدمًا في رضاك عن ذاتك! «أو هكذا تظن»
قيمتي اعتدت استمدادها من تقييمهم لي، مدى رضاهم عني يحدد مدى رضاي عني، وتقدير ذاتي يعكسه حجم تقديرهم لي.
والذي بكل تأكيد لم يدم على حال ثابت إطلاقًا، بالتالي حالي مع ذاتي كان يتذبذب بتذبذب رأيهم عني، تارة أعلى القمة وكثيرًا في الهاوية.
مزاجاتي رهن مزاجاتهم، تجول محجرا عينيّ معهم لأشحذ الرضا من عيونهم.
أي بؤس هذا؟
أبشركم؛ استمر الحال ما يفوق الثلاثة عقود من حياتي! إلى أن بدأت على مضض استرداد عافيتي من كل مكان وشخص بعثرتها فيه وعليه.
نظرات الرضا ذبلت حد الانطفاء، وحلّت محلها نظرات استهجان ونبذ، كيف لك هذا؟ ومن أين لك هذا؟
خالفت العرف والعادة، لم يكن سهلًا، ولا حتى سريعًا، فمن حينه وحتى الآن وأنا في خضم معركة يحمى وطيسها حينًا ويهدأ أحيانًا، ولكن اليقين أن جهاز التحكم صار بين يديّ، معظم الوقت!
أدركت أن رحلة ترميم صورتي الذاتية، تحديد قيمي من الداخل، هندسة الفكر والمعتقد وضبط الشعور هي أهم دروس الحياة التي تصنف صاحبها ناجحًا بحق..
وأن كل تفوق دراسي لا يعني بالضرورة تفوقًا في الحياة؛ فالحياة أكبر بكثير من أسطر أجدت حفظها وأتقنت إعادة سردها!
تعليقات
إرسال تعليق