أشرق بطريقتك...


الوعي تراكمي، والمعرفة بناء؛ قد لا نلمس ارتفاعه، ولكن هو حتمًا موجود..


لنفصل أكثر.. ولنعد معًا بالذاكرة إلى الأمس الأبعد أو حتى القريب، وعدَّ معي: كم كتابًا في أيامك ولياليك قرأت؟ وكم دورة حضرت؟ وكم تسجيلًا ملهمًا سمعت؟ وكم اقتباسًا حفظت؟ وكم تخطيطًا رسمت؟ وكم شوطًا قطعت حتى لو من بدايته توقفت! ثم كم مرة غاب فيها عنك: كم معلومة جنيت وكم تقدمًا أحرزت؟ وكم يوما نميت؟ وكم طولًا ازددت؟ 

وكم غاب عنك استحضار جلَّ ما صادفت أو بحثت أو قرأت -"هذا حالي!"-

ثم تندب حالك، وتشكو وقتك ظنًّا منك أنه ضاع، وألا نفع مما جال ومما دار حولك؟ وأن ذاكرتك هشة؛ تأبى احتواء ما يمر بها، أو عليها، متبرعة بكل ما فيها للهباء! واهبة كل ما يأتيها دون تقدير، لتخون احتياجك لها في كل مرة!

ثم يقين يزورك ليهمس لك:  عبثًا جنيت! 

وبعجب واندهاش تقلّب الفكر: كيف لها ذلك، وأنت بذلت تجاهها كل ذاك الجهد والزمن والفكر؟ وكيف هي معك هكذا وعند غيرك تنمو وتتبارك؟ فتجده يسرد أمامك أحداثًا بناسها وتواريخها وكتّابها وقارئيها،  لتكتشف في وسط الحوار أنك قرأت تلك الخبرية، وعرفتها في يوم ما في لحظة ما بطريقة ماّ! 

بل قد تفاجأ أنك  بحثت عنها أو حتى سردت تفاصيلها مرة أو مرات في مقال أو أكثر! 

لماذا تسمعها الآن وكأنك تظهر لأول مرة؟ وكأنها جديدة عليك تمامًا؟ أين الخلل؟ فيك أم في طريقتك أم في المعلومة أم فيهم؟

-كنت أمني النفس أن ذاكرة الأمهات استثناء وفقدانها عندهم هو الطبيعي، إلا أني أنا وذاكرتي وحدنا الاستثناء!-

ومع ذلك، أنت تعرف تمام المعرفة -كما أعرفها أنا- أنك لم تكن بعد كل معلومة حصدتها مثلك قبلها، 

لذلك من قلبي لقلبك اطمئن، أولا لست وحدك، ثانيًا والأهم لأنك تغيرت لا جدال، مساحات فيك تمددت، وجوانب استنارت فأشرقت، بطريقتها وحسب طبيعتك أشرقت.. 

قراءتك لسطور الحياة اختلفت، ونظرتك لجوانب الدنيا بمن فيها تجاوزت ما كنت تعرفه، 

تعرف ذلك تمامًا؛ في ردود أفعالك، في أناقة حوارك، في جودة مشاعرك، ورقي علاقاتك، وجودة ساعاتك..

حتى طموحك اختلف وأهدافك اختلفت ومساعيك اختلفت... 

بل حتى همومك ستختلف! فأنت لم تعد أنت، وهواجسك تغيرت، وما يشغل بالك لم يعد كما كان.

الخلاصة؛ أكمل نموك، واطمئن بنتائجك مهما خفت، واسعد بإشراقك كيفما كان، ودع النور يسطع منك بطريقتك، 

بل لا تشرق إلا بطريقتك....


  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة